قالت ساره :
تحول كل بيتنا إلي فوضى منذ أن أصبح يحيى يمشي .... أصبح لا يوجد مقعد في مكانه ولا مفرش فوق ترابيزه لا سمح الله !! وطبعاً أي ورود أو تحف صغيره أصبح من المستحيل بقائها مكانها وأصبح مكانها الوحيد فوق الدولاب كي أنقذها من التحطيم المستمر !! ..... لا أعرف لماذا يحب الأطفال استكشاف كل شيء حتى لو رأوه مائه مره ؟ أتعجب عندما أري يحيى ماشياً في أمان الله وفجأه يثبت نظره في اتجاه شيء معين وهنا تصفر صفارات الإنذار في رأسي من أني في ثواني سأسمع صوت تحطيم أو دمار ..... ثم أجده متجهاً بمشيته التي تشبه مشية البطه إلى هدفه كالصاروخ ويكون غالباً كوب أو برواز صوره أو أي شيء ..... وهنا أقفز مثل لاعبي السيرك لأنقذ الهدف المسكين من مصيره المحتوم وان نجحت تبدأ مرحله من الصراخ من يحيى احتجاجاً علي هذا الظلم البائن !! كنت في البدايه أرق لبكائه وأتراجع عن موقفي كي يكف عن البكاء ....... ولكني وجدت انه في غاية الخبث علم أن البكاء يخيفني فاستخدمه كسلاح .... أي شيء يريده بفتح السارينه !! ولكني انتبهت لهذا السلاح الجديد وأصبحت لا أهتم لصراخه ... حتى عرف بعد فتره انه لا جدوى معي من البكاء فأصبح ينصرف عني وكأنه يتمتم ( حسبي الله ونعم الوكيل !! ) .......
أصبح يحيى هو صديقي الوحيد والوجه الوحيد الذي أراه يبتسم في وجهي منذ أن زارنا الحزن وأقام لدينا منذ شهرين ........ من يوم وفاة والد عمر ونحن نسكن مع الحزن في كل لحظه ....... أخاف علي عمر من شده حزنه علي أبيه ...... أراه شارداً حزيناً .... أستيقظ فلا أجده بجوازي وأجده يصلي وحيداً وهو يبكي لله ويسأله الصبر علي الفراق ............ أحاول بكل طاقتي أن أخرجه مما هو فيه بلا جدوى ...... يا رب خفف عنه وعنا ...........
*******************
قال عمر :
لا يعلم جنود ربك إلا هو ..... الموت من جنود الله التي تدفعنا دفعاً إلى الخوف من الوقوف بين يدي الله ....... لا أعرف كيف اختطف الموت أبي لأتحول فجأه من رجل إلى طفل صغير فقد يد أبيه في الزحام فوقف يبكي ولا يشعر بزحام الدنيا من حوله ...... فقط ينتظر وجه أبيه ليعيد له الأمان ...... رحمك الله يا أبي كم أتعبتك في طفولتي .... وكم عاندتك في مراهقتي ....... وكم جادلتك في شبابي ........ أندم علي كل يوم لم أقبل به يديك ........
وتبقي مشكله أمي ..... أنا ابنها الوحيد الرجل وأخواتي البنات متزوجات وفي بلاد بعيده مع أزواجهن ....... وأمي في حال يرثى لها منذ وفاة أبي .... وأنا يومياً أزورها بعد عملي وهي تعيش في أحزانها وتهمل حتى صحتها ....... خوفي عليها يزداد ولكن ماذا أفعل ؟
************************
قالت ساره :
حياتنا انقلبت منذ وفاة والد عمر أصبحت لا أرى عمر إلا نادراً .... أصبح يخرج من عمله يذهب إلى حماتي ليقضي معها بقية الليل وأحيانا يبات هناك معها ...... وأنا أزورها ثلاث أو أربع مرات في الأسبوع ..... أعد طعام الغداء وأصطحب يحيى وأذهب لها وننتظر عمر ليأتي ونقضي بقية اليوم معها ...... أشفق عليها من أحزانها ....... لا أعرف كيف تشعر المرأه لو فقدت شريك حياتها وحبيبها ورجلها الوحيد بعد عشره أكثر من ثلاثين عاما ؟؟؟ وقد تحول حزنها إلى عصبيه شديده لو غاب عنها عمر يوماً تظل تبكي وتتهمه بأنه لا يحبها ويفضل بيته وزوجته ( اللي هي أنا ! ) عنها ...... ولو لم أحضر لها يحيى لتراه انصبت فوق رأسي كل صراخ الدنيا ..... ازدادت أعصابي توتراً وأصبحت تقريباً لا أنام وبيتي فقد الاستقرار ولا أرى زوجي ...... ولا أستطيع أن انطق بكلمه .... بل علي طول الوقت أن احتمل أعصاب عمر المنهاره وغضب حماتي طوال الوقت ..........
زارتني ماما ورأتني وأنا ذابله مجهده وقصصت عليها ما أنا فيه .... فردت علي :
معلش يا ساره استحملي ... جوزك معذور ده برضه والده .
أنا : أنا عارفه يا ماما والله ونفسي أخرجه من اللي هو فيه ...... ومستحمله عصبيته واكتئابه ...... بس حاسه إني عايشه في دوامه يادوب أصحى الصبح علشان اشتغل وأجهز الأكل وأشيله وآخد يحيى وأروح لحماتي ونقضي بقية اليوم عندها وطول الوقت باستحمل كلام في منتهي الغلاسه وكأنها عاوزه تقول لي ( أنا جوزي مات وإنتي كمان واخده ابني ؟ ) بجد يا ماما تعبت ومش عارفه اعمل إيه ؟
ماما : معلش أهم يومين ويعدوا يا ساره خليكي إنتي بنت الأصول اللي تقف جنب جوزها وأمه في الظروف دي ...... يعني لو كنت إنتي مكانه مش كان حايعمل كده ؟
أنا : مش باين يا ماما إنهم يومين ...... إحنا بقالنا شهرين علي الحال ده وعمر مش عاوز يسيبها لوحدها أبداً وبصراحه عنده حق بس أنا تعبت أعمل إيه ؟
فسكتت ماما للحظات وكأنها تفكر في أمر عميق وأجابتني : بصي يا ساره خلينا واقعيين أنا رأيي انك تقولي لـعمر يجيب والدته تقعد معاكي هنا ..........
فانتفضت كالملسوعه : إيه تعيش معايا هنا ؟ إنتي بتقولي إيه يا ماما ؟ هو إنتي مش عارفه طبعها وازاي بتعاملني ؟ حرام عليكي !!
ماما : بصي يا ساره خليكي عاقله ..... مش معقول حاتفضلوا علي الحال ده ومش ممكن حاتقولي له ارمي أمك ..... علشان ربنا يبارك لك في يحيى ..... وبعدين خليها تيجي منك أحسن لأن ده إن آجلاً أو عاجلاً حايحصل وهو اللي حايطلب منك إنها تعيش معاكم لأنه ابنها الوحيد الرجل ...... يعني هاتيها منك واعرضي عليه إنتي واحتسبيها عند ربنا ........
فسالت دموعي وأنا أري أن كلام أمي منطقي جداً ولا مفر منه : بس يا ماما كده حانبقي طول اليوم في حرب ...... وأكيد حاتحصل مشاكل ....... أعمل إيه ؟
ماما : والله اتكلي علي الله ومادمتي بتعملي كده علشان ترضي ربنا وتريحي جوزك يبقي أكيد عمر ربنا ما حايسيبك أبداً إن شاء الله .
صليت استخاره ودعوت الله وقلبي يمتلأ بالخوف من حياتي التي ستقلب رأساً علي عقب ......... وبكيت بين يدي الله وأنا أسأله العون ....... واقتربت من عمر وهو جالس وحده في الصالون شارد النظرات ...... وهمست له :
مش تروق كده يا حبيبي ..... ده إنت تعرف ربنا وربنا يرحمه إن شاء الله ..........
عمر : ونعم بالله يا ساره وهو حايفضل غالي علي طول ............ بس كل ما افتكر والدتي إنها لوحدها في الشقه وإنها ممكن يحصل لها حاجه من غير ما أكون معاها باتجنن .... نفسي أكون معاها علي طول علشان بالي يرتاح ........
فهمست في سري ( والله عند حق يا ماما خليها تيجي مني أحسن !! ) ورددت عليه :
ربنا يخليهالك يا رب ....... طيب أنا عندي اقتراح علشان تطمن عليها إيه رأيك تيجي تعيش معانا هنا وأنا أحطها جوه عيني ......... إيه رأيك ؟
فصرخ فرحاً ورأيت ابتسامته التي لم أرها من شهور وهو غير مصدق وقال لي : إيه بتقولي إيه ؟ إنتي بتتكلمي بجد يا ساره ؟ أنا كان نفسي أعرض عليكي الموضوع ده بس كنت متردد ...........
فبلعت توتري وابتسمت له وقلت : ليه بتقول كده يا عمر هو إحنا يعني حانرمي أهالينا ؟ ربنا يخليهالك ويقدرني علي خدمتها ........
فاحتضنني في قوه وهو يقول لي : بجد مش عارف أقول لك إيه يا ساره إنتي فعلاً بنت أصول ....... أنا عارف إن ماما متعبه شويه .... بس صدقيني إن شاء الله مش حاتضايقك خاااالص .............
وتركني وانطلق إلى التليفون يزف البشري لوالدته ....
وأنا أردد وأنا أكاد أبكي : خالص خالص خاااااااااااااااااااااااااااااااااالص !!!!!!!!!!!!
********************